|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
الفصـل الثـّـانيبـركات الـنميـريجاك ماكفيث.. أحد ضباط وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الذين قبلوا بالعمل في طقس السودان الملتهب، طبقاً للائحة التنقلات بين ضباط الوكالة التي ترغم أياً منهم على الخدمة في أماكن غير مستحبة لفترة معينة. ورغم أن عمل محطة وكالة المخابرات الأمريكية في الخرطوم لم يكن يتسم عادة بالكثافة، إلا أن تلك السنوات المبكرة من الثمانينات حملت استثناءً لهذه القاعدة؛ فالخرطوم لم تكن حرارة وكسلاً كما ألِِِِف عملاء الوكالة تسميتها، وإنما كانت حرارة وعملاً مكثفاً، ليس لتغطية قضايا سودانية.. وإنما لإكمال حلقات الإعداد للتخلص من رئيس ليبيا. في تلك الآونة، كان ماكفيث مكلفاً بمهمة بالغة الحساسية تمثلت في تطوير القدرات العسكرية والإعلامية للمجموعة الليبية المعارضة الجديدة التي شكلتها الوكالة، وأدرك ماكفيث من المصدر الذي كلفه بهذه المهمة، ومن سخونة قضية القذافي في واشنطن، أن عليه أن يتحرك بسرعة؛ إذ كان يبدو أن الجميع في لانغلي باتوا يتطلعون إلى الخرطوم في انتظار النتائج. ويذكر أن الرئيس جعفر النميري كان مستعداً لتلبية كل طلبات المجموعة المعارضة الجديدة، حيث افتتح مكتباً كبيراً لجبهة الإنقاذ في فيلا فاخرة صفراء اللون، وكان هذا أول مقر - ربما في العالم - لمجموعة سياسية معارضة تتضمن حديقته حمام سباحة كبير. ومن الطريف أنه في ذلك المقر الواقع قبالة السفارة اليونانية، كان جعفر النميري قد أعدم قادة الحزب الشيوعي السوداني بإطلاق الرصاص عليهم، وقد يكون في هذا تفسير لتلك الابتسامة الساحرة التي كان الجميع يلاحظونها على وجه ماكفيث في كل مرة يدخل فيها إلى البناية الصفراء الفاخرة. وأسفرت النقاشات بين المقريف وماكفيث عن اتفاق أولي على إقامة محطة إذاعة ليبية معارضة على أراضي السودان يصل بثها إلى طرابلس، وعلى بدء تدريبات على العمليات الخاصة تستهدف إعداد نواة عسكرية داخل الجبهة تتولى فيما بعد تنفيذ مهمة اغتيال القذافي، على أن تقوم الولايات المتحدة والسودان بتوفير معدات التدريب (بما في ذلك صورة كبيرة للقذافي جرى استخدامها كأهداف للتصويب)، أما المدربون، فقد كانوا سودانيين. وتضمنت دورة التدريب فنون حرب العصابات وإعداد المتفجرات واستخدامها في عمليات الاغتيال، وأساليب أخرى متنوعة للاغتيال تتلاءم مع الحالة المحددة. وفي تلك الأثناء، كانت معدات الإذاعة تصل تباعاً من واشنطن، حيث قام عدد من الفنيين الأمريكيين والسودانيين بوضعها في أحد معسكرات الجيش السوداني على بعد نحو (3) كيلو متراً من الخرطوم. وبعد شهور قليلة، كان لتلك المجموعة المعارضة الناشئة فريق للعمليات الخاصة حَسن التدريب، ومحطة كاملة للإذاعة تبث مقولاتها بانتظام، وكان كل منهما خاضعاً تقريباً لسيطرة التيار الديني المتطرف الذي انضم إلى السفير السابق في الهند، حتى أن السلطات المصرية اعتقلت ذات يوم فريقاً من الملتحين الذاهبين إلى الخرطوم لتلقي التدريبات العسكرية حينما بدا أمرهم مريباً في مطار القاهرة، ولم يُفرج عن المحتجزين - الذين بقوا في المطار لليلة كاملة - إلا بعد أن تأكدت السلطات المصرية من أنهم لا يرتبطون بالتنظيمات المشابهة التي كانت توشك على الانتشار في مصر. في تلك الآونة المبكرة من محاولة تنظيم فريق ليبي لإنجاز مهمة اغتيال القذافي، كان ما يقال هو أن الهدف يتلخص في تشكيل مجموعة للمعارضة السياسية لا تلجأ إلى العنف في ممارستها لنشاطها المناوئ للقذافي، وكانت هذه الصيغة المرنة قادرة على جذب معارضين سياسيين يشمئزون من استخدام القوة، ولكن واشنطن كانت تريد شيئاً آخر. ورغم أن المخابرات المركزية حاولت في تلك الشهور الحافلة بالاتصالات الدبلوماسية أن تخفي هدفها الحقيقي عن بعض الشخصيات الليبية، التي لم تكن تقف على أرض القذافي من الوجهة السياسية، إلا أن ذلك لم يفلح كثيراً، إذ رفض ليبيون آخرون، مثل رجل الأعمال يحيى عمر ووزير الخارجية السابق منصور الكيخيا وعضو مجلس قيادة الثورة السابق عبد المنعم الهوني - رغم وضع اسم الأخير على السبورة أثناء انعقاد المجلس الوطني للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا بمدينة أغادير بالمغرب بدون موافقته- رفضوا الانضمام إلى هذا التنظيم الجديد بسبب شكوك عميقة في أسباب تأسيسه، وبسبب رفض ما تمارسه المعارضة من أجل التحضير لاغتيال القذافي، بل إن يحيى عمر قال لواحد ممن اتصلوا به: "إن أفضل ما يمكن أن تفعله واشنطن هو أن تترك الليبيين وشأنهم"، ووضع سماعة الهاتف دون اعتذار. وفي كل الأحوال، فإن عمليات التدريب لم تقتصر على معسكر جبل الأولياء في شمال الخرطوم كما يشاع، بل افتُتح معسكر ثانٍ للتدريب في المغرب تحت رعاية السيد ناينر (المسئول في محطة المخابرات المركزية بالرباط)، وكان التدريب يتم في إقليم الصحراء بالقرب من المناطق المتنازع عليها بين البوليساريو والمغرب. كان ناينر يلعب دوراً مهماً في الدفع بالجبهة إلى الأمام، وذلك تحت ضغط لا يرحم من تشاك كوغان في واشنطن، والدليل على ذلك أنه رغم أن ناينر كان يقطن في حي سويسي الراقي في الرباط، ورغم أن عقد اجتماعات عمل موسعة نسبياً تضم أناساً غير أمريكيين في المنزل الشخصي لضابط الوكالة هو أمر مخالف لقواعد العمل المتبعة عادة في مثل هذه الحالات، إلا أن ضغوط كوغان المتواصلة أدت إلى اضطرار ناينر إلى تجاهل بعض قواعد العمل هذه أحياناً، من ذلك ما حدث مثلاً عندما دعا كل أعضاء اللجنة التنفيذية لجبهة الإنقاذ إلى طعام الغداء في منزله، ووصل أعضاء اللجنة تباعاً يسبقهم محمد المقريف ليجدوا ناينر وزوجته في انتظارهم، حيث تبادلوا التحيات، ودخل الجميع إلى صالون فسيح حيث جلسوا في انتظار اكتمال العقد. ثم ما لبث أن دخل كوغان - الذي قال البعض عن أعضاء الجبهة أنهم أولاده - ثم دخل شخص آخر بقي أغلب الوقت صامتاً يتأمل الوجوه ويسجل بعض الملاحظات، وبدا أن هذا الأخير هو من قسم التقييم النفسي، كما بدا أن مهمته هي رسم صورة للتكوين النفسي للمشاركين في الاجتماع. كان ذلك في مايو 1982، وكان طقس الرباط لطيفاً كالمعتاد في تلك الفترة من العام، بل ربما دائماً، وحين انضم محامٍ أمريكي من الطاقم القانوني للوكالة بدا ذلك مضحكاً، فقد كان الجميع في الوفد الأمريكي يعلمون أنهم يخالفون قوانين بلادهم، كما بدا أن الجميع في الوفد الليبي يعلمون أن مهمتهم هي.. اغتيال القذافي. وبدأ الفريق الأمريكي في إجراء بعض الاختبارات الأولية، كإعطاء بعض المعلومات المتناقضة وطلب تقييمها من قبل أعضاء الفريق الليبي فرداً فرداً، ثم ما لبث الاجتماع أن انتهى بأن اختار الأمريكيون ثلاثة أشخاص من أعضاء اللجنة التنفيذية وهم: الأول: منسقاً للعلاقات بين اللجنة والوكالة، وهو المدعو ابريك اسويسي. الثاني: منسقاً للعلاقات مع المغرب، وهو الرائد إبراهيم عبد العزيز صهد. الثالث: مديراً للعمليات التقنية، أعتقد أنه المهندس فتحي سكتة. ثم تلا ذلك، اختيار مندوب اتصالات بين وكالة المخابرات المركزية (C.I.A) والجبهة، ووقع الاختيار على المدعو فائز عبد العزيز جبريل بعد انتقاله من الولايات المتحدة إلى القاهرة. وشكر المقريف مضيفيه، وتصافح الجميع لينصرف الوفد الليبي وليمضي إلى أول الطريق التي أَمِل الجميع أن تنتهي إلى طرابلس. ومنذ ذلك الحين، وجه المعارضون جُلَّ اهتمامهم إلى جمع المعلومات عن ليبيا وإرسالها إلى واشنطن. والمعروف أن مذابح سنوات السبعينات التي تعرض لها قسم العمليات السرية في الوكالة قد أسفرت عن تصفية الرصيد البشري من مصادر الوكالة، وعلل ستانفيلد تيرنر ذلك بأن المستقبل للتكنولوجيا، وأنه من الضروري تحويل الوكالة إلى منظمة حديثة تعتمد على أحدث الأساليب التكنولوجية لجمع المعلومات. وبعد رحيل تيرنر عاد قسم العمل السري إلى مجده السابق، مع زيادة ملحوظة في شراسة رجاله واستعدادهم لتجاوز كل المحظورات نحو تحقيق هدف قد لا يكون قانونياً من الأصل. وهكذا.. حاول المعارضون ملء هذا الفراغ على وجه السرعة؛ إذ كانت المعلومات تشحن بأسرع ما يمكن إلى لانغلي بعد أن يجيز المقريف إرسالها، وكان أمين سر هذه الجماعة الجديدة يحث الأعضاء صباحاً ومساءً على جمع المزيد من المعلومات؛ إذ كان ذلك يكسبهم مصداقية في واشنطن، فضلاً عن أن ذلك هو ما كان يريده الأمريكيون جزئياً على الأقل. وعلى إثر ذلك، وبعد عامين فقط من تشكيل الجبهة، أخذ كوغان يضغط بلا هوادة على رؤساء المحطات لدفع المعارضة الليبية دفعاً إلى ترتيب خطة عملية مدروسة لاغتيال القذافي، ولم يكن كوغان يفعل ذلك طوعاً؛ إذ أن ويليام كيسي كان يستدعيه مرة كل أسبوع ليسأله "ما هي أخبار القذافي الآن؟ هل يُعدّ المعارضون لأمر؟" وكان ذلك يمثل ضغطاً نفسياً على كوغان؛ إذ كان يود أن يقول لكيسي.. نعم.. إنهم يعدون لأمر، ولكنه لم يكن قادراً بعد على أن يفعل ذلك. وفي لقاء جمع بين المقريف و ناينر في منزل الأخير بالرباط في صيف 1983، قال ضابط المخابرات المركزية للمعارض الليبي: "لقد مرت فترة كافية على تدريبات الأولاد، ويبدو لي أن الظروف مهيأة الآن للتحرك" ورد عليه المقريف قائلاً: "سأرى ما يمكن أن يحدث". وعلى الفور، عقد المقريف اجتماعاً للجنة التنفيذية، وانفجر فيهم متبرماً: "إننا لم نفعل أي شيء حتى الآن، لم نثبت أننا نستطيع، قلتم تدريباً.. فتوفر التدريب، أجهزة ومعدات.. فتوفرت بدورها، إنهم يقولون أننا جبناء، ولست أدري ماذا ينتظر المسئولون عن العمليات العسكرية؟!". وقال المسئول عن العمليات العسكرية، الذي قُتل بعد ذلك خلال إحدى محاولات اغتيال القذافي: "نحن نُعِد لشيء، ولكن شروط إنجازه لم تتحقق بعد". وتوتر الاجتماع، وبدا المقريف وكأنه نهاية الأنبوب الذي يبدأ في الطابق السابع في لانغلي حيث مكتب ويليام كيسي، فكيسي يضغط ليذهب الضغط إلى ماكماهون.. إلى كوغان.. إلى ناينر.. إلى المقريف. وكانت مشكلة الأمين العام للجبهة آنذاك هي أنه كان من أولئك الذين ينبغي عليهم القيام بعمل ما، فيما كان الآخرون يطلبون فيوفرون ما يطلب منهم دون تردد انتظاراً لنتائج عاجلة. وبعد ذلك بشهور، حاولت مجموعة من الجبهة اغتيال القذافي في باب العزيزية، إلا أن المحاولة فشلت كالعادة! د. يـوسف شـاكيـر
|
|
|
|