Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


الفصـل الأول

الـمقريف .. زعيما للـمعارضة بدرجة عميـل


كان المهندس التنفيذي الأول في حقل إنجاز مهمة تنظيم قدر من المعارضين الليبيين هو توماس آلن تويتن رئيس محطة المخابرات المركزية الأمريكية في نيودلهي. ولذلك قصة تستحق أن تُروى.

        خلال عام 1979 أرسل توماس تويتن ثلاثة تقارير من العاصمة الهندية إلى لانغلي حول رسائل تلقاها من دبلوماسي ليبي كبير - حسب قول جين هنتر - يعرض فيها استعداده للانشقاق عن حكومة بلاده والعمل من أجل التخلص من القذافي.

        وعندما تلقى الأميرال ستانسفيلد تيرنر تقارير تويتن، طلب من مدير العمليات جون ماكماهون بحث الأمر مع فيرنون والترز أحد الأيادي القديمة في وكالة المخابرات المركزية المختصة بشئون شمال أفريقيا.

        وبدوره ارتأى فيرنون والترز ضرورة إشراك محطة الوكالة في المغرب في وضع تصور حول ما ينبغي عمله بوصفه عرّاب هذه المحطة، والتي كانت تقود محطات الإقليم بأكمله، وليس أدلّ على نفوذه هناك من مراجعة أمور ظهرت في تلك الآونة بالذات، منها مثلاًً.. أن التقرير الضريبي بما حققه فيرنون والترز من دخل في عام 1980 يوضح أنه حقق دخلاً إجمالياً في ذلك العام وصل إلى نصف مليون دولار، والطريف أن (300) ألف دولار من هذا الدخل جاءت من عقد استشاري وقعه مع شركة تحمل اسماً يخفي تماماً طبيعتها، وهي "شركة أنظمة الطاقة والبيئة"، فيما كانت وظيفتها الحقيقية.. تجارة السلاح، ومقرها اليكسنداريا - فيرجينيا، أما العقد الاستشاري فقد كان بشأن بيع دبابات للمغرب، وهي صفقة لم تتم على أية حال!

        وقد كان والترز أيضاً شريكاً في شركة بمنطقة فيينا- فيرجينيا تسمى مستشارو السفريات للمغرب، وقد حقق منها الجزء الأكبر من بقية دخله، وكانت مهمتها الظاهرية تتمثل في تنظيم رحلات سياحية، فيما كانت مهمتها الحقيقية هي عمليات نقل ضباط ومعدات محطة الوكالة.

        وسوف نرى فيما بعد أن والترز كان هو الشخص المكلف من قبل إدارة ريجان بالسفر إلى أوروبا قبيل عدوان أبريل 1986 على ليبيا، وذلك لإقناع الحلفاء بالتعاون لاغتيال القذافي. ولم يكن - وهو الرجل الذي عمل نائباً لمدير وكالة المخابرات المركزية من قبل - موفقاً في تلك المهمة بأكثر مما كان موفقاً في مهمة بيع الدبابات للمغرب، باستثناء بريطانيا التي كانت مستعدة للتعاون به أو بدونه.

        والترز إذن هو الذي اقترح على تيرنر التشاور مع محطة المغرب، ليس فقط بشأن تقارير تويتن، ولكن أيضاً بشأن مشروع تنظيم عدد من المعارضين للنظام في طرابلس، وليس صحيحاً في هذا السياق ما قيل عن أن محطة المخابرات المركزية في نيودلهي هي التي بادرت بالاتصال بذلك الدبلوماسي الليبي المنسوب إليه وضع اللبنات الأولى للمعارضة الليبية؛ إذ أن رسائله للسفارة الأمريكية - عبر وسطاء - بقيت دون رد لبضعة شهور.

        وكان هذا الدبلوماسي - وهو سفير ليبيا سابقاً في الهند محمد المقريف - قد قام بخطوات مشابهة حين تناقش مع سفيري المغرب والسعودية في نيودلهي حول الأوضاع في ليبيا، مبدياً استياءه مما يحدث، ونقمته على النظام، واستعداده لعمل شيء من أجل تصحيح الأوضاع حسب قوله، وكانت هذه النقاشات التي بدأت خلال احتفالات دينية عقدتها مؤسسات إسلامية هندية ثم استمرت في مناسبات أخرى، كانت تمضي بحذر في البداية، ثم بقدر أكبر من الوضوح في كل مناسبة تالية. وقد طلب السفير، الذي يتهيأ لوضع بندقيته على الكتف الأخرى، من سفير السعودية أن يبلغ رئيس وزراء ليبيا السابق مصطفي بن حليم، الذي كان يقيم في السعودية منذ إسقاط النظام الملكي في ليبيا بأنه - أي السفير- يرى ضرورة عمل شيء لإيقاف ما يحدث في ليبيا.

        أُبلغت الرسالة، واقترح رئيس الوزراء السابق على السفير الذي نقلها إليه أن يدعو صديقه - أي سفير ليبيا - إلى زيارة لباكستان، حيث ستُدبر له بعض اللقاءات المهمة. وبالفعل، ذهب السفير الليبي إلى باكستان حيث التقى للمرة الأولى توماس تويتن الذي كان قد سافر خصيصاً إلى باكستان لمقابلة السفير الليبي، خوفاً من أن ترصد أجهزة المخابرات الهندية أو عملاء المخابرات السوفيتية في نيودلهي خبر اللقاء.

        حمل تويتن إلى السفير الليبي تحيات رئيس الوزراء السابق وثناءه عليه، وتناقش الاثنان في أمر استعداد السفير للانشقاق، وفي أوضاع ليبيا بالتفصيل، ثم طلب عميل المخابرات المركزية من السفير ألا يتعجل اتخاذ قرار حتى يتفقا على التوقيت، ثم اقترح تويتن على السفير أن يعرج إلى الرياض التي يقيم فيها بن حليم قبل عودته إلى طرابلس، والتي كان السفير ينوي العودة إليها بعد أيام.

        والتقى السفير بمصطفي بن حليم، الذي كان يعرف بما دار في لقاء باكستان، والذي قال للسفير أنه سيبذل جهداً إضافياً كي يجعل مشروعه ذا تأثير، وأنه يشعر أن انتظاره للخطوة العملية لن يدوم أكثر من أسابيع، بل وصل بن حليم إلى الحديث عن تشكيل حكومة ليبية في المنفى يرأسها ذلك السفير ذاته إذا دعت الضرورة لذلك، ثم اقترح على السفير أن يدبر له زيارة لبريطانيا، وأعطاه اسم شخص بريطاني ورقم هاتفه في لندن وأوصاه بالاتصال به في الأسبوع الأول من مارس 1980 إذا ما تمكن من ذلك.

        وبالفعل عرج السفير إلى لندن بعد أن غادر طرابلس، حيث اتصل بالشخص الذي أعطاه بن حليم اسمه ورقم هاتفه كي يحدد معه موعداً للقاء. وعندما التقيا أخبره هذا الشخص بأنه ضابط في المخابرات البريطانية، وأنه على علم بما يحدث، وأخبره أيضاً أن الحكومة البريطانية مستعدة لتقديم كل التسهيلات الممكنة لعمله فور بدء نشاطه العلني.

        وعاد السفير إلى نيودلهي، وفي أبريل 1980 تحققت نبوءة بن حليم، إذ أبلغ السفير أن بوسعه الآن إعلان انشقاقه عن الحكومة الليبية في أي وقت يلائم ظروفه الخاصة، وفضل السفير التريث قليلاً لاعتبارات عائلية، ثم غادر نيودلهي في يونيو 1980 لمقابلة مصطفي بن حليم، حيث شاركهما بعض اللقاءات عدد من ضباط محطة المخابرات المركزية في محل إقامة بن حليم، وقال السفير للجميع أنه لن يعود إلى نيودلهي مرة أخرى. ثم تكررت لقاءاته مع رئيس الوزراء السابق والمشاركين من محطة المخابرات المركزية، حيث تمت مناقشة التفاصيل الأخيرة لتشكيل تنظيم من المعارضة تعهد مصطفي بن حليم وأصدقاؤه من الأمريكيين والبريطانيين بمساعدته كي يقدم تغطية مناسبة للموجة المقبلة التي كانوا يعدون لها والتي ظنوا أنها ستُغرق ليبيا.

        وفي يوليو 1980 اتجه السفير إلى الرباط - مقر محطة المخابرات المركزية المسئولة عن شمال أفريقيا- ليعلن من هناك انشقاقه عن الحكومة الليبية والتحول إلى معارض لها، ومن جانبها، منحت الحكومة المغربية- التي كانت في الحكم آنذاك - على الفور حق اللجوء السياسي إلى السفير الليبي، ومُنح جواز سفر مغربي باسم محمد عبد الله، سُلّم له عن طريق الكولونيل حسني مدير وكالة مكافحة التجسس بالمغرب ومساعد الجنرال أحمد الدليمي المسئول عن الأمن في المغرب حينذاك، وقد أقام السيد السفير في حي سويسي بالرباط.

وهكذا، ومن خلال الجهود التي بذلها بن حليم ومضيفوه، وبحسب المقاييس التي وضعتها وكالة المخابرات المركزية، تم تشكيل المنظمة المعارضة المطلوبة متمثلة فيما يسمى بجبهة الإنقاذ الوطنية، والتي أصبحت منذ ذلك الحين خاضعة لإشراف الوكالة المذكورة من الناحية الميدانية، حيث كان هناك أربعة ضباط عاملين في الوكالة يتولون كل ما يتعلق بتسهيل إجراءات تشكيلها وتوجيه نشاطاتها:

الأول:  تويتن الذي ما لبث أن نُقل شكلياً- إلى محطة الوكالة بعمان، ثم اتجه بعد فترة وجيزة إلى واشنطن ليعمل ضمن طاقم القيادة في لانغلي.

الثاني: ضابط يدعى كوغان، وكان منذ البداية يعمل في المقر الرئيسي للوكالة، إلا أنه كان مشرفاً من هناك على تذليل العقبات التي تعترض عمل المجموعة المعارضة، وتقديم ما يلزم لتسهيل أدائها لمهامها والتي كان يتم تحديدها مباشرة من واشنطن.

الثالث: يدعي مستر ناينر، وكان ينتمي لمحطة الوكالة بالرباط،  وأصبح المسئول المباشر عن أمين عام هذه الجبهة، وقد غادر ناينر الرباط مباشرة بعد مصرع الجنرال أحمد الدليمي في ظروف معروفة.

الرابع: جون شتاين، وكان أحد الضباط الرئيسيين في قسم العمليات في لانغلي، وقد سبق له أن خدم في السفارة الأمريكية في ليبيا بين عامي 1972 و 1974.

        بقيت فقط مشكلة التمويل.. ولأن واشنطن تفضل عادة أن يدفع آخرون نيابة عنها كلما كان ذلك ممكناً، ولأن اعتمادات العمليات السرية كانت  - حتى تلك الفترة المبكرة - لا تتجاوز (20) مليون دولار، إذ لم تكن الإدارة الجديدة (حينذاك إدارة ريجان) قد أعادت ترتيب بيتها المالي بعد طبقاً للتركيبة الجديدة، فإن الوكالة طلبت من بعض حلفائها في المنطقة تقديم العون المالي المطلوب لبدء تشغيل محرك المعارضة. يقول جون برادوس في ص 283 من كتابه الموسوم "حروب الرؤساء السرية" والذي نشر في نيويورك عام 1988 "إن دولة عربية - كانت هي محل إقامة مصطفي بن حليم - قدمت لمحمد المقريف سبعة ملايين دولار لمساعدته في بناء منظمته، ولكن اللافت للنظر هنا أن المقريف قال في اجتماع المجلس الوطني الأول في الرباط - وهو اجتماع عُقد لتدشين منظمته - أن الجبهة تسلمت ثلاثة ملايين دولار فقط كمعونة قادمة من مضيفي مصطفي بن حليم".

        وقال معارضون انشقوا عن المقريف فيما بعد أنهم لا يستبعدون أن يكون رئيس الوزراء الليبي السابق قد تقاضى نسبة من العون المالي المقدم للمقريف مقابل جهوده في تأسيس جبهة الإنقاذ، فيما لا يستبعد آخرون أن يكون السفير السابق قد حصل أيضاً على نسبة من هذا العون، وذلك بهدف وضعه جانباً تحسباً لاحتمالات المستقبل في تلك اللحظة التي استعد فيها لخوض مغامرته الجديدة.

        إلا أن المقريف نفسه نفى عدة مرات أن تكون الجبهة قد تلقت سبعة ملايين دولار، وأصر على أنها كانت أربعة فقط، وقد أخذت القضية في حينها على أنها حرب كلامية بين فرقاء سياسيين، إلى أن أكد جون برادوس أن المقريف تلقى بالفعل سبعة ملايين دولار، ولكن برادوس لم يشِر إلى الخِِِِِِِِِِلاف حول ذلك الجزء من العون المالي الذي لم يُعرف أين ذهب على وجه الدقة.

        وفي واقع الحال، فإن المخابرات المركزية الأمريكية لم تنظر قط إلى هذه المجموعة المعارضة باعتبارها قوة قادرة على تغيير معطيات الموقف السياسي في طرابلس على نحو شامل، بل اعتبرتها دائماً حليفاً في حرب العمليات السرية والمعلنة ضد القذافي قد ينجح في إحدى محاولات اغتياله، فضلاً عن أنها تمثل غطاءً محلياً يسهم في خلط الأمور بحيث لا تبدو وكالة المخابرات الأمريكية وكأنها قامت بهذه المحاولات على نحو مباشر.

        وكان أن بدأت المخابرات الأمريكية - عبر هذه المجموعة المنشقة -  عدداً من محاولات اغتيال القذافي باءت كلها بالفشل، حتى ظن البعض أن هدف اغتيال القذافي قد تحول بالفعل إلى سراب صحراوي رحل من سرت إلى طرابلس ذات يوم، ليصبح بعد ذلك هدفاً مستحيلاً.

الحلقة القادمة – الفصل الثـاني

د. يوسف شاكير


10 9 8 7 6 5 4 3 2 1

 

Home
صناعة معارضة