|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
دراسات تصحيحيـّة في مفاهيم الجهاد والحكم على النّـاس -1
دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس أُعدت تحت إشراف:
P }قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين{ [سورة يوسف: آية 108] المقـدمـــــة.. إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، } يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون { [آل عمران: 102]، } يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً { [النساء: 1]، } يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً { [الأحزاب: 70-71]. أمَّا بعد: فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمَّد r وشر الأمـور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فلقد أرسل الله I إلى العالمين رسلاً مبشرين ومنذرين، أناروا لهم الطريق وأوضحوا لهم السبيل، فأخبروهم بغاية خلقهم في هذه الدنيا، وأن الله عزَّ وجلَّ لم يخلقهم عبثاً، ولم يتركهم هملاً، فما من نبي إلاَّ وقال لقومه } يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره { [الأعراف: 59]، فهدى الله بهم أقواماً، وشقي بتكذيبهم آخرون، وشاء الله I أن يختم رسالاته إلى أهل الأرض بالنبي العربي محمَّد بن عبد الله r، فأرسله في أم القرى بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيته المحرم، استجابةً لدعوة أبويه إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام حين قالاً } ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهـم الكتاب والحكمة ويزكيهـم إنك أنت العزَّيز الحكيـم { [البقرة: 129]، فجاءهم برسالة خاتمة للرسالات السـابقة، وبعثه إلى جميع الإنس والجن بعد أن كانت الرسل تُبعث لأقوامها خاصة، قال تعالى } قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكـم جميعاً { [الأعراف: 158]. وأنزل له شريعة محكمة لتكون هداية للبشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وامتنّ الله عزَّ وجلَّ على عباده بأن أكمل لهم هذا الدين الخاتم، قال تعالى } اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً { [المائدة: 3]، وأبلغهم بأن كل دين سـواه لن يُقبل عند الله، فقـال عزَّ وجلَّ } ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه { [آل عمران: 85]، وأنه هو الدين المرضي والسبيل المنجية، قال تعالى } إن الدين عند الله الإسلام { [آل عمران: 19]، وكان طبيعياً أن يكون هذا الدين الذي أنزله الله رحمةً للعالمين مشتملاً على كل ما يصلح شؤونهم في دنياهم وآخرتهم كي لا تتفرق بهم السبل، ولا تضيق بهم الحيل، فربطهم بربهم عزَّ وجلَّ في عقيدةٍ ناصعةٍ نقيةٍ عرَّفتهم بصفات ربهم وأسمائه، وبحقوقه عليهم وآلائه، وأظهرت لهم ما شاء الله من علوم الغيب، فعرَّفهم على مبدئهم ومنشئهم، وعلى معادهم ومصيرهم، وأوضح لهم الغاية التي خُلقوا من أجلها، ووصف لهم حقيقة الحياة التي يعيشونها، والكون الذي يقيمون فيه، وكشف لهم كوامن نفوسهم وأسرارها، واشتمل على ما يحتاجون إليه في كل جوانب حياتهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والتربوية والسلوكية، قال تعالى } ونزَّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء { [النحل: 89]، فكان ديناً عظيماً، عرف قدره الأولون فتمسكوا به، وحرصوا على نشره في البشرية حاملين في قلوبهم الرحمة والشفقة على الناس، وقد رأوهم تائهين في دياجير الظلام تتلاعب بهم الأهواء، ثم توارثته الأجيال المسلمة مستمسكةً به، عاضة عليه بنواجذها، لم يخالجها شك في صلاحيته لكل زمان ومكان، كيف وهي تؤمن بأنه من عند ربها العليـم الخبيـر } ألا يعلمُ من خلق وهو اللطيـف الخبير { [الملك: 14]، وارتقت به تلك الأجيال إلى قمم سامقة، بعد أن كانت أمة العرب نسياً منسياً، فما كانت إلاَّ قبائل صغيرة في قلب الجزيرة العربية تمزقها الصراعات، وتنشب بينها الحروب على الناقة، والبئر، والفرس، أو قبائل أخرى أعطت ولاءها لدولة الفرس أو إمبراطورية الروم، فما لها معها من قرار ولا خيار، فلما حملت أمانة هذا الدين صار أهلها قادة للناس، وأئمة للعالمين، واستمر الرقي بالمسلمين عصوراً، فلمَّا غيّروا ما بأنفسهم، وأهملوا أوامر ربهم، غيَّر الله عزَّ وجلَّ أمورهم وأحوالهم، سنة الله التي لا تتبدل مصداقاً لقوله تعالى } ذلك بأن الله لم يكُ مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يُغيّروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم { [الأنفال: 53]، ولقد كان من قدر الأمة الإسلامية في قرونها المتأخرة أن تتعرض لمؤامرات عظيمة من طرف أعدائها من اليهود والنصارى، وغيرهم من الأمم الذين اكتشفوا حقيقةَ قوةِ هذه الأمة وعرفوا طبيعةَ دينها الذي يسري إلى قلوب العالمين سرياناً بديعاً لأنه دين الفطرة، فما كان منهم إلاَّ أن كادوا له المكائد فاحتلّوا أرضه، وسلبوا خيراته ودنّسوا مقدساته كي يبقى أهله تابعين لهم في كل شؤونهم، فزرعوا بينهم الاختلاف والشقاق، وحرموهـم من وسائل الرقي والتقدم، وفرضوا عليهـم القيود والحصار، ولم يكن ذلك كله ليؤثّر في المسلمين لو أنهم كانوا متمسكين بدينهم حق التمسك، ومتوكلين على ربهم حق التوكل، لأن الله عزَّ وجـلَّ قال } وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً { [آل عمران: 120]، غير أن حصون المسلمين كانت مهددة من داخلـها بسبب الجهل بدينهـم، وإهمالهم أوامر ربهم، وبتفرقهم وتشرذمهم، فلما فعلوا ذلك وكلهم الله لأنفسهم، فكان طبيعياً أن تكون هذه هي حالهم – إلاَّ من رحم الله. ولا يختلف أبناء المسلمين اليوم، في أن نجاتهم وخروجهم من ضعفهم لن يكون إلاَّ بما ارتقى به أسلافهم، أولئك الأقوام الذين فتحوا قلوب الناس قبل الأقطار، ونشروا المبادئ والقيم النبيلة في الأفاق، فما من مسلم يرى حال الضعف الذي أصاب الأمة والتأخر والتقهقر الذي عانت منه إلاَّ وأورثه ذلك حزناً وأرقاً، وزرع بداخله الرغبة في النهوض بأمته، لذا حاول كثيرٌ من الغيورين والمتحمسين، أن يساهموا بشكل أو بآخر في خدمة الدين والنهوض بالأمة، ولمَّا كانت جهودهم بشرية، واجتهاداتهم إنسانية، كان لابد أن يشوبها الخلل، ويعتريها النقص والزلل، لأسباب كثيرة منها: غياب العلماء عن ساحة التوجيه، وحداثة التجارب، وقلة الخبرات، إلى غير ذلك مما ذكرناه في ثنايا هذه الدراسة، هذا مع صدق النوايا، وصفاء السرائر، وحسن الرغبات، فكان لزاماً على من يظهر له شيء من ذلك القصور، وتتكشف له تلك الأخطاء من نفسه أو من غيره، أن يبادر إلى إصلاحها وتقويمها بما يستطيع ابتغاءَ مرضاة الله، وحذراًَ من سؤاله وعقابه، ونصحاً للأمة، وحرصاً على أبنائها ممن قد لا يدركون ما أدركه، أو لم يسلكوا ما سلكه، أو قصـرت تجاربهم عن تجاربه، فالمسلمون جسد واحد وأمة واحدة. ولا يختلف المسلمون في القديم والحديث في أن ثوابت دينهم لا تتغير ولا تتبدل، ولا يشكون في صلاحيته لكل زمان ومكان، وكذلك فإنهم لا يختلفون في أن اجتهادات البشر في فهم هذا الدين يعتريها النقص والخطأ والتغيير، كما أن تطبيقات الناس لأحكام الدين يقع فيها الخطأ والزلل والانحراف وغير ذلك، ثم هم مجمعون على وجوب رجوع المسلم إلى الحق متى ظهر له، وعلى فرْضية تصويب أعماله وإجرائها على مقتضى ما يظهر له من الأحكام، ووجوب نصح المسلمين، وذلك لكي يتأهل هؤلاء المسلمون لقيادة البشرية العطشى للقيم والأخلاق، فلابد للمسلمين كي يُرضوا ربهم فيمنحهم الرفعة والرقي أن تكون أعمالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم موافقةً للسبيل القويم، والصراط المستقيم. ومن أجل هذا الأمر وإعذاراً إلى الله تعالى، ورغبةً منَّا في نصح الأمـة، وانطلاقاً من تجربتـنا الخاصة، كانت هذه الدراسات والأبحاث الشرعية، والناصح مؤتمن، وقد خاطبنا بها كل من يمكن أن يستفيد منها، وإنما كتبناها لكل مسلم غيور، آلمه حال أمته المكلومة، وقد رأى جرأة الأمم عليها، وسمع صراخ أبنائها، وقد استبيحت أرضهم، وسفكت دماؤهم، وانتهكت حرماتهم، في بلاد كثيرة من فلسطين إلى العراق إلى أفغانستان. وكتبناها لكل مسلم يرى الفرق الشاسع بين ما يتلوه في كتاب ربه، وما يعلمه من سير العظماء من أمته، وبين ما يشاهده من صورة مزعجة لبعض أبناء المسلمين اليوم. وكتبناها لكل شاب التزم بدينه، وتمسك به، وأراد نصرته، والارتقاء به، ممن قد لا يحالفه السداد في إنزال هذه الرغبة في مكانها الصحيح، أو في طريقها المثمر الذي يخدم أمته. وكتبناها لكل طالب علم وداعية يحرص على هداية الخلق، وبيان الحق، وإرشاد العالمين، وتعليم الجاهلين. وكتبناها لكل مجاهد يحرص على رقي أمته، فيقف في وجه المؤامرات الخارجية بقلمه أو لسانه أو ماله أو سلاحه أو دعائه. وكتبناها لكل من ربطتنا به يوماً من الأيام، علاقةٌ أخوية أو أدبية أو تنظيمية فأَحَبَّ أن يطَّلع على خلاصة تجربتنا وزبدة قناعاتنا. وكتبناها لكل منصف من الناس، ممن لا يدينون بديننا ممن يسمعون النعوت المشوَّهة التي تُنعت بها أمتنا أو يوصف بها ديننا. وقد جعلنا هذه الدراسة مبوبةً على تسعةِ أبوابٍ، يشتمل كل واحد منها على فصول وعناوين فكان أولها باب: عقد الإسلام وكيفية ثبوته: وقد بينَّا فيه الخصال التي إذا أتى بها المرء ثبت له عقد الإسلام، ووجبت له حقوق المسلم، ونبهنا فيه على شيء من الخلل الواقع في هذا الباب، وما ترتب عليه من آثار سلبية. ثم باب في العلم والعلماء: وشرحنا فيه فضل العلم الشرعي، وصفات أهله، وأهميته، وخطورة تصدُّر غير المؤهلين للفتوى، وذكرنا أن الكثير من المصائب الواقعة على المسلمين اليوم مردها لنقص العلم، وتصدُّر من ليس أهلاً للفتوى والبتّ في المسائل الكبيرة لا سيما في أمور الدماء والأموال. ثم ثلَّثنا بباب الدعوة إلى الله: والتي جعلها الله صفة لهذه الأمة، وذكرنا أهدافها، وميادينها وأنواعها، والحاجـة إليها، وشروطَ الدعاة وصفاتِهم، ثم باب الجهاد: فذكرنا فيه فضله، ومكانته، وأوضحنا أخلاقياته، وضوابطه، وآدابه، وذكرنا ما يترتب على التفلّت من تلك الضوابط من كوارث، وذكرنا نبذة تاريخية عن استعمال السلاح لتغيير الأوضاع السياسية، وموقف العلماء منها، ثم ربطنا ذلك بموقفنا من العمل المسلح بناءً على تجربتنا الخاصة، ثمَّ باب فقه الخلاف: وأوضحنا فيه أنواعه وما يسوغ منه وما لا يسوغ، وذكرنا أثر الجهل بأدب الخلاف في وحدة المسلمين، ممَّا يفكك الصفوف، ويُضعف وحدة الأمة، وأفردنا باباً للغلـو في الدين: وذكرنا مظاهره، وأسبابه، وآثاره السلبية على الفرد والأمة، ثم باباً للمصالح والمفاسد: وبينَّا أهمية مراعاة مآلات الأفعال، والموازنة بين المصالح والمفاسد في ضوء مقاصد الشريعة، وقرَّرنا أن غياب هذه المعاني ينتج كمّاً هائلاً من الأخطاء في واقع الأمة الإسلامية، ثمَّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: والذي هو سبب خيرية الأمة، وذكرنا بعض الأخطاء التي تقع فيه والتي قد تؤدي إلى نتائج سيئة رغم صفاء القصد، ثم ختمنا بباب في إنزال الأحكام على الناس، بيّنا فيه خطورة إنزال الأحكام على الناس لاسيما تكفير المسلم وذكرنا ضوابط إنزال الأحكام، ومن هم المؤهلون لإنزالها، ومتى ينزلونها، وقرَّرنا بأننا دعاة لا قضاة، ولسنا مكلفين بأن نفتش عن قلوب الناس، ولا أن نشق عن صدورهم، وإنما مهمتنا هي دعوة الناس إلى الخير. ونحن إذ كتبنا هذا فإنما كتبناه احتساباً لله سبحانه، ورجاءً لثوابه، وإبراءً لذمتنا أمام الله تعالى، ورغبة في أن يكون فيه نفع لأجيال المسلمين، وفي أمانينا أن نرى أمتنا أمةً متماسكةً في داخلها بين جميع أبنائها، ساعيةً نحو مجدها، متناسيةً خلافاتها، مستشعرةً الظرْف والواقع المرير الذي تمر به، منطلقةً للتصدُّر من جديد، فإن في دينها زاداً يُبلِّغها مراداتها، وفي أبنائها طاقاتٍ وعقولاً كفيلة بالنهوض بها، وفي تاريخها رصيداً عظيماً يزرع الأمل في أجيالها. ولقد حاولنا تبسيط العبارة بقدر ما استطعنا رغبةً في أن يستفيد مما كتبناه أكبر قدر من القراء على اختلاف المستوى والحال. ونسأل الله عزَّ وجلَّ أن يتقبل منَّا عملنا، ويجعله خالصاً صواباً، وأن ينفع به، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
مدخــــــــل.. مسافة طويلة بين حمل السلاح لتغيير الأوضاع السياسية، تنظيراً وتحريضاً وتطبيقاً وممارسةً، وبين الاستعداد للمساهمة في البناء والتنمية، رغبةً وطموحاً ونُصحاً، مسافة تحمل بين طياتها الكثير من الأسئلة التي تزداد عدداً ونوعاً، كلما ازداد غياب العلم بمنطلقات ودوافع من حمل السلاح سابقاً ومن رغب في البناء مستقبلاً. ليس سراً أن نقول، إنَّ من كتب هذه الأبحاث التي تناولتها هذه ’’الدراسات،، هم من كتبوا قبلها أبحاثاً ومواضيع تحمل عكس مضامين ما تحمله دراسات اليوم، ولن يكون مستوراً أن يُعلَم أن من حرَّض بالأمس على حمل السلاح لتغيير الأوضاع السياسية، هم من يذكر اليوم عدم جواز ذلك وهم من ينصح كل من يصله نصحهم بتجنبه. لكن كيف يكون هذا؟ سؤال هو أول ما سيطرحه من يقرأ الأبواب القادمة، أو تصله أخبارها، فكان لزاماً أن يُجاب عليه كي تُفهم تلك الدراسات في إطارها، وكي تؤدي الهدف الذي سُطِّرت من أجله. التغيير سمة من سمات البشر، هذا أمر لا يختلف الناس فيه، وقد يكون علامةَ قوةٍ كما قد يكون علامة ضعف، وكل ذلك خاضعٌ لطبيعة ذلك التغيير وموضعه ودوافعه وأسبابه. فهل التغيير في القناعات الشرعية كذلك؟ أهمية هذا السؤال تكمن في أن من يكتب هذه الدراسات وهم (أعضاء الجماعة الإسلامية المقاتلة، في السجن). لم ينطلقوا منذ بدايتهم لتحقيق أهدافهم - أيّاً كانت – لدوافع دنيوية أو أهداف أرضية أو رغبات شخصية، لم يكونوا يوماً من الأيام قُطَّاعاً للطرق حملوا السلاح لكسب مال أو متاع، ولم يقوموا بما قاموا به سعياً لطموحات ذاتية اعتاد البشر التنازع عليها، بل كانت منطلقاتهم من دوافع وقناعات شرعية - أوصلتهم إليها اجتهاداتهم - فرأوا أن دينهم قد أوجبها عليهم، وأن ربهم قد أمرهم بها، وأن رسولهم قد ارتضاها لهم - وبغض النظر عن صوابها من عدمه - فإنها قد ترسَّخت في نفوسهم وأيقنوا بوجوب العمل بها وسعوا لإنزالها على أرض الواقع واضعين أمام أعينهم أنهم سيسألون عنها أمام ربهم، فبذلوا في ذلك زهرات شبابهم ونخبة أوقاتهم وأعمارهم. لقد رأوا أن هناك بوناً شاسعاً بين حال المسلمين اليوم شعوباً وحكومات، وبين الصورة المثالية التي كان عليها المسلمون - شعوباً وحكومات - في عصور الازدهار وعلو المسلمين، زمن النبي r والخلفاء الراشدين، ورأوا تداعي الأمم من الشرق والغرب على بلاد المسلمين، وضعف حال الأمة وتفرق كلمتها وتشتت أبنائها، وعلموا أن هذا الحال هو نتاج الابتعاد عن التمسك بدين الله عزَّ وجلَّ، الذي كان سبباً في رُقي الأمة الإسلامية وتصدرها وقيادتها للأمم، ورأوا أن هناك واجبات شرعية ملقاة على عواتقهم، وأهمها هي السعي للنهوض بهذه الأمة وإخراجها من ظلمات الجهل وسواد المعاصي وقتامة الانحراف، إلى نور العلم بالدين ونصاعة الطاعة وبياض الاستقامة. ولأن الواقع يختلف عن المثال، والعمل يختلف عن التنظير، فإن طريقهم قد أخذ منحنىً آخر... كان يمكن أن تبذل جهودهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالكلمة الطيبة والحكمة والموعظة الحسنة، فيخرج بسببهم الكثير من الناس من ظلمات المعاصي، إلى نور الطاعة..... لقد كان يمكن أن بتحقق ذلك، لو كانت الظروف غير ما كانت عليه الظروف، إلاَّ أن ذلك لم يكن... ولقد كان للواقع دَوْرُهُ.... وكان لغياب العلماء ووسائل نشر العلم وقلة الموجهين دورٌ كبيرٌ في عدم صواب الاختيار، كما كان لقلّة مجالات الدعوة بل وانعدامها في بعض الأحيان بحيث لا يجد الإنسانُ سبيلاً متاحاً للعمل من خلاله لدين الله كان لذلك كله دور كبير في تضييق دائرة الاختيار للعمل للدين. والناظر في تلك الظروف وما أحاط بها من ملابسات، لا يستغرب أن يكون ما يتولد عنها هو ما حدث في الواقع، أمَّا ماذا كان ينبغي أن يكون، فهذا ما كُتبت أبواب هذه الدراسات الشرعية من أجله. ونعود للسؤال: وهو هل التغيير في القناعات الشرعية هو من ضمن التغيير الطبيعي والمحمود؟ فنقول: لقد أجمع علماء الإسلام في القديم والحديث على وجوب رجوع الإنسان للحق متى ظهر له، وأجمعوا على أن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الخطأ. والحقيقة أن هذا من كمال الخضوع والعبودية لله تعالى، فإن الإنسان إذا كان يسعى لمرضات الله عزَّ وجلَّ في أمره كله، فلا بد أن يكون ظاهره وباطنه منقاداً لدينه ولأوامره، فمتى ظهر له حكم الله في شيء سارع إليه، لا يمنعه من ذلك هوىً في نفسه، ولا خوف من انتقاد غيره، ولا رغبة في متاع زائل، ولذلك جاء في الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به). إن المقصد من وضع الشريعة كما يقول الإمام الشاطبي رحمه الله هو (إخراج المكلف من داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبدٌ له اضطراراً). وإذا ذكرنا أن دوافعنا السابقة هي الرغبة في مرضاة الله تعالى - وإن جانَبَنَا الصواب - فهل يمكن أن نتردد في التمسك بالصواب الذي ظهر لنا؟ لا نريد هنا أن نذكر الأدلة الشرعية على جواز تغيير اجتهادات الإنسان، ولا أفعال وأقوال أئمة الإسلام، ولا نحو ذلك، إذ هو أشهر من أن يذكر في هذا الموطن. لقد سلكنا طريقاً قي سابق عمرنا ونحن نعلم مشقته وغرابته على الناس، ولم نلتفت إلى أقوال المنتقدين واعتراضاتهم حينها، فإذا علمنا الصواب في غير ذلك الطريق الآن، فهو أولى بالإتباع، هذا من جهة التغيير في الرأي. أمَّا كيف يمكن ذلك؟ فإن الإنسان يزداد علماً يوماً بعد يوم، سواء من العلوم الشرعية أو من تجارب الحياة، كما أن واقع البشر يتغير تغيراً جذرياً يوماً بعد يوم، ومن غير المختلف فيه بين العلماء، أن الاجتهادات الشرعية تُبنى على أمرين، العلم بالشرع والعلم بالواقع ونحن من خلال دراستنا الشرعية، واطّلاعنا على المسائل وتدقيقنا فيها، وكذلك دراستنا المتعمقة والدقيقة في تجربتنا التي استمرت سنوات طويلة، ونظرتنا للواقع المحيط وظروفه المتغيرة، توصلنا إلى القناعات التي أودعناها في هذه الدراسات والأبواب والتي أردنا بكتابتها أن نضع معالم واضحة لكل من يريد السير في طريقٍ يخدم به دينه وأمته، مستشعرين الأمانة العظيمة التي كلف بها كل مسلم وهي النصح للمسلمين ولدينهم، والكثير مما سنذكره في هذه الأبواب هو من المسائل العادية التي تطرح في الكتب الشرعية القديمة والحديثة، فهي مسائل مبثوثة في كتب الفقه وغيرها، لكننا تعمدنا الحديث عنها باستفاضة لأننا - من دون الكثيرين غيرنا - لمسنا أهميتها وتأثيرها في قناعات كل إنسان يسعى لإقامة دينه، ورأينا أن أي قصور فيها، أو نقص في تصورها، أو انحراف في تطبيقها سوف يسوق في النهاية إلى نتائج تختلف تماماً عن غرض صاحبها مهما كانت نياته حسنة ومقاصده مشروعة. كان يمكن أن نكتفي بملخصات في تلك الأبواب ونحيل القارئ إلى مراجع العلماء الأولين والآخرين وسيجد فيها ما ذكرناه وزيادة، لكن ذلك لن يؤدي - في نظرنا - الغرض الذي أردناه لذلك حرصنا أن يكون التأصيل الشرعي هو الركيزة في هذه الدراسات. وكان يمكن أن نجعل الأبحاث نصائح وإرشادات واستنباط للعبر من التجارب والممارسات دون التطرق إلى التأصيل الشرعي والتدليل، لكن ذلك لن يؤدي الغرض الذي أردناه لأننا ما أردنا أن يتلقف أحدٌ ممن يقرأ كتاباتنا نصائح مجردة أو آراء خاصة، بل أحببنا أن تنشأ عند الإنسان ملكة في تقدير الأمور ومن ثم الاستقلال في الاختيار. إننا كتبنا هذه الدراسات ونحن نعلم أن الدوافع الأولى والمنطلقات التي انطلقنا منها كامنة في عقول وقلوب الكثير من أبناء الصحوة الإسلامية اليوم، وقد تتوفر الكثير من الظروف التي قد تؤدي إلى سلوك نفس السبيل الذي سلكناه مما قد ذكرناه سابقاً، ولذلك أحببنا - ناصحين - أن نوصل هذه القناعات لهؤلاء الإخوة الذين لا نشك في انقيادهم لما يرضي الله، وتمسكهم بما فيه نجاتهم في الدنيا والآخرة وحرصهم على رفعة دينهم وارتقاء أمتهم. هي تجـربة خلاصتــها.. · أنَّ أبناء الصحوة سيكونون بخير وسداد إذا ما رجعوا إلى العلماء الثقات في أمورهم وأعمالهم لاسيما فيما يترتب عليه نتائج عظيمة تتعلق بالمصالح العامة لبلدهم وأمتهم، وبقدر تزودهم بالعلم الشرعي وتبصرهم بالواقع فإن اختياراتهم ستكون مسددة وموفقة. · وأنَّ طريق الارتقاء بالأمة طويل يحتاج إلى صبر ومصابرة، وجهد ووقت، لأنَّ الأمة الإسلامية لم تصل إلى ما وصلت إليه من تخلف وتأخر بين عشية وضحاها، بل كان ذلك نتيجة لتراكم عوامل كثيرة، استمر الانحدار فيها لقرون طويلة، فمثل هذا الخلل لا يمكن معالجته بحلول مستعجلة ولا أعمال حماسية، ولا تصرفات عاطفية. · وأنَّ للأمة مصالح كبرى لابد من معرفتها واستحضـارها والحرص عليها وعدم التفريط فيها، وذلك كوحدة المسلمين وهيبتهم واستقرارهم وأمنهم وسمعة الإسلام وأهله ونحو ذلك، فإن تعارض حفظها مع أيٍّ من المصالح الأصغر منها، فلا خلاف في ترك تلك المصالح الصغيرة، ولذا فإن اعتبارات مآلات الأمور معتبر شرعاً، والنظر في نتائج التصرفات مأمور به، ولن يكون ذلك إلا بالتثبت الدقيق قبل الإقدام على أي أمر من الأمور. · وأن من المطلوبات الشرعية، ما هو في منـزلة المقاصد التي جعلت مرادات للشارع، كهداية الناس وانتشار الإسلام وعلو أهله وصلاحهم وتكثير الخير، ومنها ما هو في منـزلة الوسائل المؤدية إلى تلك المقاصد، وذلك كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ونحوه، فلا ينبغي جعل الوسائل غايات مقصودة لذاتها أو تقديمها على مقاصدها حال التعارض، وإلا نتج من ذلك انعكاس في الأمور. وغير ذلك من المسائل التي احتوتها هذه الدراسات، إذ أن كل كلمة فيها وإن كانت مجردة فهي تذكير أو نصيحة أو إشارة أو فتح لأبواب الاهتمام والتثبت، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يسددنا في ذلك. يتبــع
|
|
|
|